ولربك فاصبر ٧
وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ ٧
undefined
undefined
undefined
﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ تَثْبِيتٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى تَحَمُّلِ ما يَلْقاهُ مِن أذى المُشْرِكِينَ وعَلى مَشاقِّ الدَّعْوَةِ.
والصَّبْرُ: ثَباتُ النَّفْسِ وتَحَمُّلُها المَشاقَّ والآلامَ ونَحْوَها.
ومَصْدَرُ الصَّبْرِ وما يُشْتَقُّ مِنهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنى التَّحَمُّلِ لِلشَّيْءِ الشّاقِّ.
ويُعَدّى فِعْلُ الصَّبْرِ إلى اسْمِ الَّذِي يَتَحَمَّلُهُ الصّابِرُ بِحَرْفِ (عَلى)، يُقالُ: صَبَرَ عَلى الأذى. ويَتَضَمَّنُ مَعْنى الخُضُوعِ لِلشَّيْءِ الشّاقِّ فَيُعَدّى إلى اسْمِ ما يَتَحَمَّلُهُ الصّابِرُ بِاللّامِ. ومُناسَبَةُ المَقامِ تُرَجِّحُ إحْدى التَّعْدِيَتَيْنِ، فَلا يُقالُ: اصْبِرْ عَلى اللَّهِ، ويُقالُ: اصْبِرْ عَلى حُكْمِ اللَّهِ، أوْ لِحُكْمِ اللَّهِ. فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ في قَوْلِهِ (لِرَبِّكَ) لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ الصَّبْرِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ. أيْ: اصْبِرْ لِأمْرِهِ وتَكالِيفِ وحْيِهِ كَما قالَ ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨] في سُورَةِ الطُّورِ، وقَوْلِهِ ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] في سُورَةِ الإنْسانِ، فَيُناسِبُ نِداءَهُ بِـ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]؛ لِأنَّهُ تَدَثَّرَ مِن شِدَّةِ وقْعِ رُؤْيَةِ المَلَكِ، وتَرْكُ ذِكْرِ المُضافِ لِتَذْهَبَ النَّفْسُ إلى كُلِّ ما هو مِن شَأْنِ المُضافِ إلَيْهِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالمُخاطَبِ.
(ص-٣٠٠)ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ فِعْلِ الصَّبْرِ، أيْ: اصْبِرْ لِأجْلِ رَبِّكَ عَلى كُلِّ ما يَشُقُّ عَلَيْكَ.
وتَقْدِيمُ (لِرَبِّكَ) عَلى (اصْبِرْ) لِلِاهْتِمامِ بِالأُمُورِ الَّتِي يَصْبِرُ لِأجْلِها مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ اللّامَ في (لِرَبِّكَ) لامَ التَّعْلِيلِ، أيْ: اصْبِرْ عَلى أذاهم لِأجْلِهِ، فَيَكُونُ في مَعْنى: إنَّهُ يَصْبِرُ تَوَكُّلًا عَلى أنَّ اللَّهَ يَتَوَلّى جَزاءَهم، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ سَبَبَ نُزُولِ السُّورَةِ ما لَحِقَ النَّبِيءَ ﷺ مِن أذى المُشْرِكِينَ.
والصَّبْرُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] في البَقَرَةِ.
وفِي التَّعْبِيرِ عَنِ اللَّهِ بِوَصْفِ رَبِّكَ إيماءٌ إلى أنَّ هَذا الصَّبْرَ بِرٌّ بِالمَوْلى وطاعَةٌ لَهُ.
فَهَذِهِ سِتُّ وصايا أوْصى اللَّهُ بِها رَسُولَهُ ﷺ في مَبْدَأِ رِسالَتِهِ وهي مِن جَوامِعِ القُرْآنِ أرادَ اللَّهُ بِها تَزْكِيَةَ رَسُولِهِ وجَعْلَها قُدْوَةً لِأُمَّتِهِ.